فصل: قال الشوكاني في الآيات السابقة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



والذي يستخلص من الروآيات أن هذا الجوع حلّ بقريش بُعيد الهجرة، وذلك هو الجوع الذي دعا به النبي صلى الله عليه وسلم إذ قال: «اللّهم أعِنِّي عليهم بسبَععٍ كسَبْععِ يُوسف» وفي رواية «اللّهم اشْدُدْ وَطْأتَك على مُضر، اللهم اجعلها عليهم سِنين كسنيننِ يوسف» فأُتي النبي صلى الله عليه وسلم فقيل له: استسق لِمُضَر وفي رواية عن مسروق عن ابن مسعود في (صحيح البخاري) أن الذي أتى النبي هو أَبُو سُفْيَان.
وقال المفسرون: إن أبا سفيان أتاه في ناس من أهل مكة يعني أتوا المدينة لمَّا علموا أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان دعا عليهم بالقحط، فقالوا: إن قومك قد هلَكُوا فادع الله أن يسقيهم فدعا.
وعلى هذه الرواية يكون قوله تعالى: {يوم تأتي السماء بدخان مبين} تمثيلًا لهيئة ما يراه الجائعون من شبه الغِشاوة على أبصارهم حين ينظرون في الجوبهيئة الدخان النازل من الأفق، فالمجاز في التركيب.
وأما مفردات التركيب فهي مستعملة في حقائقها لأن من معاني السماء في كلام العرب قُبة الجو، وتكون جملة {يغشى الناس} ترشيحًا للتمثيلية لأن الذي يغشاهم هو الظلمة التي في أبصارهم من الجوع، وليس الدخانَ هو الذي يغشاهم.
وبعض الروآيات ركب على هذه الآية حديثَ الاستسقاء الذي في (الصحيح) «أن رجلًا جاء يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فقال: يا رسول الله هلك الزرع والضرع فادعُ الله أن يسقينا فرفع يديه وقال: اللّهم اسقنَا ثلاثًا، وما يُرَى في السماء قَزَعَةُ سحاب، فتلبدت السماء بالسحاب وأمطروا من الجمعة إلى الجمعة حتى سالت الأودية وسال وادي قَنَاة شهرًا، فأتاه آت في الجمعة القابلة هو الأول أو غيره، فقال: يا رسول الله تقطعت السبل فادع الله أن يمسك المطر عنا، فقال: اللّهم حَوَالَينا ولا علينا، فتفرقت السحب حتى صارت المدينة في شبه الإكليل من السحاب». والجمع بين الروايتين ظاهر.
ويظهر أن هذا القحط وقع بعد يوم بدر فهو قحط آخر غير قحط قريش الذي ذكر في هذه الآية.
ومعنى {يغشى الناس} أنه يحيط بهم ويعمّهم كما تحيط الغَاشية بالجسد، أي لا ينجومنه أحد من أولئك الناس وهم المشركون.
فإن كان المراد من الدخان ما أصاب أبصارهم من رؤية مثل الغبرة من الجوع فالغشيئان مجاز، وإن كان المراد منه غبار الحرب يوم الفتح فالغشيئان حقيقة أو مجاز مشهور.
ويجوز أن يكون غبارًا متصاعدًا في الجومن شدة الجفاف.
وقوله: {هذا عذاب أليم} قال ابن عطية يجوز أن يكون إخبارًا من جانب الله تعالى تعجيبًا منه كما في قوله تعالى في قصة الذبيح {إنَّ هذا لهوالبلاء المبين} [الصافات: 106].
ويحتمل أن يكون ذلك من قول الناس الذين يغشاهم العذاب بتقدير: يقولون: هذا عذاب أليم.
والإشارة في {هذا عذاب أليم} إلى الدخان المذكور آنفًا، عُدل عن استحضاره بالإضمار وأن يقال: هو عذاب أليم، إلى استحضاره بالإشارة، لتنزيله منزلة الحاضر المشاهد تهويلًا لأمره كما تقول: هذا الشتاء قادم فأعدَّ له.
وقريب منه الأمر بالنظر في قوله تعالى: {انظر كيف كذبوا على أنفسهم} [الأنعام: 24] فإن المحكي مما يحصل في الآخرة.
{رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (12)}.
هذه جملة معترضة بين جملة {هذا عذاب أليم} [الدخان: 11] وجملة {أنّى لهم الذكرى} [الدخان: 13] فهي مقول قول محذوف.
وحملها جميع المفسرين على أنها حكاية قول الذين يغشاهم العذابُ بتقدير يقولون: ربّنا اكشف عنا العذاب، أي هو وعد صادر من النّاس الذين يغشاهم العذاب بأنهم يؤمنون إن كشف عنهم العذاب أي فيكون مثل قوله تعالى في سورة الزخرف (49) {وقالوا يا أيها الساحر ادعُ لنا ربّك بما عهد عندك إننا لمهتدون} أي إنْ دعوتَ ربّك اتبعناك ويكون بمعنى قوله في سورة الأعراف (134) {ولما وقع عليهم الرجز قالوا يا موسى ادْعُ لنا ربّك} إلى قوله: {لئن كشفت عنا الرجز لَنُؤمِنَن لك} ومما تسمح به تراكيب الآية وسياقها أن يكون القول المحذوف مقدَّرًا بفعللِ أمرٍ أي قولوا لتلقين المسلمين أن يستعيذوا بالله من أن يصيبهم ذلك العذاب إذ كانوا والمشركين في بلد واحد كما استعاذ موسى عليه السلام بقوله: {أتهلكنا بما فعل السفهاء منا} [الأعراف: 155].
وفيه إيماء إلى أن الله سيخرج المؤمنين من مكة قبل أن يحلّ بأهلها هذا العذاب، فهذا التلقين كالذي في قوله تعالى: {ربّنا لا تُؤاخذنا إن نسينا أوأخطأنا} [البقرة: 286] الآيات.
وعليه فجملة {إنا مؤمنون} تعليل لطلب دفع العذاب عنهم، أي إنا متلبسون بما يدفع عنا عذاب الكافرين، وفي تلقينهم بذلك تنويه بشرف الإيمان، وأسلوبُ الكلام جارٍ على أن جملة {إنا مؤمنون} تعليل لطلب كشف العذاب عنهم لما يقتضيه ظاهر استعمال حرف (إنَّ) من معنى الإخبار دون الوعد، ومن التعليل دون التأكيد، ولما يقتضيه اسم الفاعل في زمن الحال دون الاستقبال، ولأن سياقه خطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم بترقب إعانة الله إياه على المشركين، كما كان يدعو «أعني عليهم بسبع كسني يوسف» فمقتضى المقام تأمينُه من أن يصيبَ العذابُ المسلمين وفيهم النبي صلى الله عليه وسلم وظاهر مادة الكشف تقتضي إزالة شيء كان حاصلًا في شيء إلاّ أن الكشف هنا لما لم يكن مستعملًا في معناه الحقيقي كان مجازه محتملًا أن يكون مستعملًا في منع حصو ل شيء يُخشى حصو له كما في قوله تعالى: {إلاَّ قوم يونس لما امنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا} [يونس: 98] فإن قوم يونس لم يحل بهم عذاب فزال عنهم ولكنهم تُوعدوا به فبادروا بالإيمان فنجاهم الله منه، وقول جعفر بن عُلْبة الحارثي:
لا يَكشف الغَماء إلا ابنُ حرة ** يَرى غمراتِ الموت ثم يَزُورها

أراد أنه يمنع العدومن أن ينالهم بسوء، ومحتملًا للاستعمال في زوال شيء كان حصل.
ولم يذكر أحد من رواة السِير والآثار أن المشركين وعَدوا النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم يسلمون إن أزال الله عنهم القحط.
{أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رسول مُبِينٌ (13)}.
هذه الجملة جعلها جميع المفسرين جوابًا عن قول القائلين {ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون} [الدخان: 12] تكذيبًا لوعدهم، أي هم لا يتذكرون، وكيف يتذكرون وقد جاءهم ما هو أقوى دلالة من العذاب وهي دلائل صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وأمَّا على التأويل الذي انتزعناه من تركيب الآية فهي جملة مستأنفة ناشئة عن قوله: {بل هم في شككٍ يلعبون} [الدخان: 9] وهي كالنتيجة لها لأنهم إذا كانوا في شك يلعبون فقد صاروا بُعداء عن الذكرى.
و {أنَّى} اسم استفهام أصله استفهام عن أمكنة حصو ل الشيء ويتوسعون فيها فيجعلونها استفهامًا عن الأحوال بمعنى (كيف) بتنزيل الأحوال منزلة ظروف في مكان كما هنا بقرينة قوله: {وقد جاءهم رسول مبين}.
والمعنى: من أين تحصل لهم الذكرى والمخافة عند ظهور الدخان المبين وقد سدت عليهم طرقها بطعنهم في الرسول صلى الله عليه وسلم الذي أتاهم بالتذكير.
والاستفهام مستعمل في الأنكار والإحالة، أي كيف يتذكرون وهم في شك يلعبون وقد جاءهم رسول مبين فتولوا عنه وطعنوا فيه.
فجملة {وقد جاءهم} في موضع الحال.
و {مبين} اسم فاعل إما من أبان المتعدّي، وحذف مفعوله لدلالة {الذِكرى} عليه، أي مبين لهم ما به يتذكرون، ويجوز أن يكون من أبان القاصر الذي هو بمعنى بانَ، أي رسول ظاهر، أي ظاهرة رسالته عن الله بما توفر معها من دلائل صدقه.
وإيثار {مبين} بتخفيف الياء على {مبيّن} بالتشديد من نكتتِ الإعجاز ليفيد المعنيين.
و {ثم} للتراخي الرتبي وهو ترقَ من مفاد قوله: {بل هم في شك يلعبون} [الدخان: 9] الذي اتصلت به جملة كانت جملة {وقد جاءهم رسول مبين} من متعلِّقاتها.
فالمعنى: وقد جاءهم رسول فشكُّوا في رسالته ثم تولوا عنه وطعنوا فيه، فالتو لي والطعن حصلا عند حصو ل الشك واللعب، ولذلك كانت {ثم} للتراخي الرتبي لا لتراخي الزمان.
ومعنى التراخي الرتبي هنا أن التو لي والبهتان أفظع من الشك واللعب.
والمعلَّم الذي يعلِّمه غيره، وقد تقدم عند قوله تعالى: {ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يُعلِّمه بشر} في سورة النحل (103).
والمعنى: أنهم وصفوه مرة بأنه يعلّمه غيره، ووصفوه مرة بالجنون، تنقلًا في البهتان، أووصفه فريق بهذا وفريق بذلك، فالقول موزع بين أصحاب ضمير {قالوا} أوبين أوقات القائلين.
و لا يصح أن يكون قولا واحدًا في وقت واحد لأن المجنون لا يكون معلَّمًا ولا يتأثر بالتعليم.
{إِنَّا كَاشِفُوالْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (15)}.
يجيء على مَا فسر به جميع المفسرين قوله: {ربنا اكشف عنا العذاب} [الدخان: 12]، أن هذه الجملة جواب لسؤالهم، ويجيء على ما درجنا عليه أن تكون هذه الجملة إعلامًا للنبيء صلى الله عليه وسلم بأنْ يُكشَف العذابُ المتوعَّد به المشركون مدةً، فيعودون إلى ما كانوا فيه، وعليه فضمير {إنكم عائدون} التفات إلى خطاب المشركين، أي يُمسكون عن ذلك مدة وهي المدة التي أرسلوا فيها وفْدَهم إلى المدينة ليسأل الرسول صلى الله عليه وسلم أن يدعوالله بكشف القحط عنهم فإنهم أيامئذٍ يمسكون عن الطعن والذمّ رجاء أن يدعو لهم ثم يعودون لما كانوا فيه، كما قال تعالى: {وإذا مَسّ الإنسان ضرٌّ دعا ربه منيبًا إليه ثم إذا خو له نعمةً منه نَسي ما كان يدعوإليه من قبل وجعل لله أندادًا ليضل عن سبيله} [الزمر: 8] كما اقتضى أن العذاب عائد إليهم بعد عودتهم إلى ما كانوا فيه من أسباب إصابتهم بالعذاب.
فمعنى {إنا كاشفوا العذاب}: إنا كاشفوه في المستقبل بقرينة قوله قبله {فارتَقب يوم تأتي السماء بدخانٍ مبينٍ} [الدخان: 10] المقتضي أنه يحصل في المستقبل، والآية متصل بعضها ببعض وكذلك معنى {إنكم عائدون}، أي في المستقبل.
واسم الفاعل يكون مرادًا به الحصو ل في المستقبل بالقرينة.
روي أنهم كشف عنهم القحط بعد استسقاء النبي صلى الله عليه وسلم فحيُوا وحييت أنعامهم ثم عادُوا فعاودهم القحط كمال سبع سنين، ولعلها عقبها فتحُ مكة.
وجملة {إنكم عائدون} مستأنفة استئنافًا بيانيًا لأنهم إذا سمعوا {إنا كاشفوا العذاب قليلًا} تطلّعوا إلى ما سيكون بعدَ كشفه، وتطلعَ المؤمنون إلى ما تصير إليه حال المشركين بعد كشف العذاب هل يقلعون عن الطعن فكان قوله: {إنكم عائدون} مبينًا لما يتساءلون همخ.
{يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (16)}.
هذا هو الأنتقام الذي وُعد به الرسول صلى الله عليه وسلم وتُوعِّد به أئمة الكفر.
والجملة مستأنفة استئنافًا بيانيًا ناشئًا عن قوله: {إنا كاشفوا العذاب قليلًا إنكم عائدون} [الدخان: 15] فإن السامع يُثار في نفسه سؤال عن جزائهم حيث يعودون إلى التو لي والطعْن فأجيب بأن الأنتقام منهم هو البطشة الكبرى، وهي الأنتقام التامّ، ولاجل هذا التطلع والتساؤل أكدَا بخبر بحرف التأكيد دفعًا للتردد.
وأصل تركيب الجملة: إنا منتقمون يوم نبطش البطشة الكبرى، فـ: {يوم} منصوب على المفعول فيه لاسم الفاعل وهو {منتقمون}.
وتقدم على عامله للاهتمام به لِتهويله ولا يمنع من هذا التعليق أن العامل في الظرف خبر عن (إنَّ) بناء على الشائع من كلام النحاة أن ما بعد (إنَّ) لا يعمل فيما قبلها فإن الظروف ونحوها يتوسع فيها.
و {البطشة الكبرى}: هي بطشة يوم بدر فإن ما أصاب صناديد المشركين يومئذٍ كان بطشة بالشرك وأهلِه لأنهم فقدوا سادتهم وذوي الرأي منهم الذين كانوا يسيّرون أهل مكة كما يريدون.
والبطشة: واحدة البطش وهو: الأخذ الشديد بعنف، وتقدم في قوله تعالى: {أم لهم أيد يبطشون بها} في سورة الأعراف (195). اهـ.

.قال الشوكاني في الآيات السابقة:

قوله: {حم والكتاب المبين}.
قد تقدّم في السورتين المتقدمتين قبل هذه السورة الكلام على هذا معنى، وإعرابًا، وقوله: {إِنَّا أنزلناه في لَيْلَةٍ مباركة} جواب القسم، وإن جعلت الجواب {حم} كانت هذه الجملة مستأنفة، وقد أنكر بعض النحويين أن تكون هذه الجملة جوابًا للقسم، لأنها صفة للمقسم به، ولا تكون صفة المقسم به جوابًا للقسم، وقال: الجواب {إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ}، واختاره ابن عطية، وقيل: إن قوله: {إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ} جواب ثانٍ، أوجملة مستأنفة مقرّرة للأنزال، وفي حكم العلة له كأنه قال: إنا أنزلناه لأن من شأننا الأنذار، والضمير في {أنزلناه} راجع إلى الكتاب المبين، وهو: القرآن.
وقيل: المراد بالكتاب: سائر الكتب المنزّلة والضمير في {أنزلناه} راجع إلى القرآن على معنى: أنه سبحانه أقسم بسائر الكتب المنزّلة: أنه أنزل القرآن، والأول أولى.
والليلة المباركة: ليلة القدر كما في قوله: {إِنَّا أنزلناه في لَيْلَةِ القدر} [القدر: 1] ولها أربعة أسماء: الليلة المباركة، وليلة البراءة، وليلة الصكّ، وليلة القدر.
قال عكرمة: الليلة المباركة هنا: ليلة النصف من شعبان.
وقال قتادة: أنزل القرآن كله في ليلة القدر من أمّ الكتاب، وهو: اللوح المحفوظ إلى بيت العزّة في سماء الدنيا، ثم أنزله الله سبحانه على نبيه صلى الله عليه وسلم في الليالي والأيام في ثلاث وعشرين سنة، وقد تقدّم تحقيق الكلام في هذا في البقرة عند قوله: {شَهْرُ رَمَضَانَ الذى أُنزِلَ فِيهِ القرآن} [البقرة: 185] وقال مقاتل: كان ينزل من اللوح كل ليلة قدر من الوحي على مقدار ما ينزل به جبريل في السنة إلى مثلها من العام.
ووصف الله سبحانه هذه الليلة، بأنها مباركة لنزول القرآن فيها، وهو مشتمل على مصالح الدين والدنيا، ولكونها تتنزّل فيها الملائكة، والروح كما سيأتي في سورة القدر، ومن جملة بركتها ما ذكره الله سبحانه ها هنا بقوله: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ}، ومعنى يفرق: يفصل، ويبين من قولهم: فرقت الشي أفرقه فرقًا، والأمر الحكيم: المحكم، وذلك أن الله سبحانه يكتب فيها ما يكون في السنة من حياة وموت، وبسط وقبض، وخير وشرّ، وغير ذلك، كذا قال مجاهد، وقتادة، والحسن، وغيرهم.
وهذه الجملة إما صفة أخرى لليلة، وما بينهما اعتراض، أو مستأنفة لتقرير ما قبلها.
قرأ الجمهور: {يفرق} بضمّ الياء، وفتح الراء مخففًا، وقرأ الحسن، والأعمش، والأعرج بفتح الياء وضم الراء، ونصب {كل أمر}، ورفع {حكيم} على أنه الفاعل.
والحق ما ذهب إليه الجمهور من أن هذه الليلة المباركة هي: ليلة القدر لا ليلة النصف من شعبان، لأن الله سبحانه أجملها هنا، وبينها في سورة البقرة بقوله: {شَهْرُ رَمَضَانَ الذى أُنزِلَ فِيهِ القرآن}.
[البقرة: 185] وبقوله في سورة القدر: {إِنَّا أنزلناه في لَيْلَةِ القدر} [القدر: 1]، فلم يبق بعد هذا البيان الواضح ما يوجب الخلاف، ولا ما يقتضي الاشتباه {أَمْرًا مّنْ عِنْدِنَا} قال الزجاج، والفراء: انتصاب {أمرًا} بـ: {يفرق}، أي: يفرق فرقًا، لأن أمرًا بمعنى: فرقًا.
والمعنى: إنا نأمر ببيان ذلك ونسخه من اللوح المحفوظ، فهو على هذا منتصب على المصدرية مثل قولك: يضرب ضربًا.